فوزي آل سيف
22
فقه العلاقات الاجتماعية
عالمنا الإسلامي وجرائم الشرف : تختلط في عالمنا الإسلامي الأمور في خلطة عجيبة ربما كانت في كثير من الأحيان ضارة وغير نافعة ، فيختلط المعروف بالمنكر ، والعنف بالحزم ، والأعراف الجاهلية بالقوانين الإسلامية ، وهكذا .. ولقد أثرت التقاليد البدوية ، ونظامها الاجتماعي في فهم قسم من المسلمين للدين ولذلك جاء التزامهم الديني بدويا جافا غليظا ، ولا سيما حين يرتبط الأمر بالمرأة ، فهي عندهم محجوبة مؤخرة ولا تصلح للغزو وليست ( دفاعة ولا نفاعة ) في حرب أو قتال .. وعندما نتحدث عن التقاليد والفهم البدوي للدين لا نقصد من يعيش في قلب الصحراء ، بل ربما كان يعيش في أوربا ، ويلبس ربطة العنق ويضع عطور ديور على ملابسه ، ويركب السيارات الفخمة ! لكنه يعيش الفهم البدوي للدين ، ويقدم الأعراف الجاهلية على سماحة الدين ، ويتعامل في القرن العشرين بثقافة وآراء ما قبل الميلاد ! ومن ذلك اعتبارهم أن الرجل ـ بما هو ذكر ـ له ولاية لا ترد على المرأة ، فالأخ ـ كبيراً كان أو صغيرا ـ له ولاية على أخته تصل أحياناً إلى حد القتل عندما تخطئ في زعمه ، وهو ما يسمى بجرائم الشرف ، أو غسل العار .. وبالرغم من أن الحكم الشرعي يقول بأنه لا يجوز حتى لمن كانت له الولاية حقيقة كالأب والجد الأبوي ، أن يقوم بالعقوبة بذلك النحو ، بأن يقتل ابنته مثلاً ، لكونها قد مارست جريمة الزنا ! وإنما على فرض تحقق تلك الجريمة وثبوتها بأحد المثبتات الشرعية بتمام الدقة ، ومنها شهادة شهود عدول أربعة يشهدون بأنهم ( رأوا ) العملية كاملة ، وقد حصل فيها الادخال ( كالميل في المكحلة ) ، أو اعتراف المرأة بذلك عدة مرات في مجالس متعددة ، من غير مرض أو حالة نفسية ، عندئذ يكون الأمر بيد الحاكم الشرعي في أنه يطبق الحد . وأما ما نجده شائعا في كثير من البلاد المسلمة ، مما لا يرتبط بالإسلام من قريب ولا بعيد ، من أن الأخ أو الوالد إذا شكّا في وجود علاقة غير شرعية بين أخته أو ابنته وبين رجل ، وقيامهم على أثر ذلك ـ من غير إثبات ذلك شرعاً ، ومن غير إيكال الأمر إلى الحاكم الشرعي ـ بقتلها ، وأحيانا بطرق مفجعة ، لا تراعى فيها أية جهة شرعية ، فهذا ليس إلا الجاهلية في أسوأ صورها ، وليس إلا وأد النساء بصورته الجديدة ! إننا نقول هذا في الوقت الذي يقرر الإسلام وتعاليمه أنه ( لئن تخطئ في العفو أحب من أن تخطئ في العقوبة ) ، ونجد أن النبي صلى الله عليه وآله ، يقرر بأن ( ادرؤوا الحدود بالشبهات )[90] ، وأنه حتى لو اقر الشخص المرتكب للذنب أمام النبي صلى الله عليه وآله وهو الموقع الشرعي الأسمى لإقامة حدود الله والمحافظة عليها ، مع ذلك يقوم النبي بتشكيكه في الأمر قائلا ( لعلك قبّلت ، أو غمزت أو نظرت ..)[91] ! بينما يأتي شاب غر لم يعرف الالتزام الديني ، لكي يقتل أخته ـ مثلاً ـ بزعم أنه يغسل العار ، وينتقم لشرفه ! وفعله هو العار ، وقتله ذاك يوجب أن يقتل بأخته لأنه قتل عمدي ، وعندما تتم المقايسة بين الفعلين نجد أن فعله المؤكد أقبح بكثير من فعلها المحتمل ، وأن جريمته العمدية وهي القتل ، أعظم من جريمتها لو كانت وهي الزنا . إن ما يؤسف له أن تتحدث الإحصائيات عن مثل هذه الجرائم ، وأن يتم في بعض بلاد المسلمين إقرار قوانين تخفف العقوبة على القاتل كالأخ والأب ، عندما يقومان بقتل البنت الخاطئة [92].. ومن المعلوم أنه حتى الأب ليس له هذه الولاية على البنت حتى لو تأكد له خطؤها وزناها ، فضلا عن الأخ ..
--> 90 ) وسائل الشيعة 28/43 91 ) صحيح البخاري 8/ 24 92 ) ذكرت الصحفية رنا حسيني في بعض المواقع الالكترونية أن القانون الأردني ينظر إلى جرائم الشرف والتي تصل إلى حدود 25 جريمة سنويا بتساهل ، حيث "لا يحكم على القتلة إلاّ بعقوبات سجن قصيرة المدة. لقد شاهدت عدة مرات أن عقوبات السجن التي ينطق بها القضاة لا تتراوح إلا بين ستة أو حتى ثلاثة أشهر "